إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصّة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصّة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 سبتمبر 2011

مصحّة الحياة ...؟؟؟


أكّد طبيب مصحّة "الحياة " - بعد وصفٍ مستعجل أجراه للتّوّ على جسد المريضة - خطورة حالة السّيّدة زينب ، المحمولة على عجلٍ من منزلها في القرية النّائية ؛ وأكّد للزّوج- الّذي لم يمرّ على اقترانه بالمريضة إلاّ عام واحد – إمكانية إنقاذها : هيّا إلى هنا كي نتّفق أوّلا على الإجراءات !
زينب مركونة لوحدها على سرير أقصى بهو الإستقبال .
-     ستون ألف درهم لإستئصال الورم الخبيث
-     خمسة آلاف لأسبوع تقيمه زوجتك يرعاه اللّه في المصحّة
-     عشرة آلاف أخرى ثمن إجراءات لا داعي لذكرها ..
زينب لوحدها في قمّة احتضارها في أقصى بهو الإستقبال .
-     سيّدي الطّبيب لا اطيق هذه الفاتورة ؛ شوف عفاك الله إيرحم والديك ، نقص شويّة ..
-     تدفع بالسّيولة أم بالشّيك ؟
-     بالسّيولة سيّدي ...
-     إذن نتوكّل على اللّه ... !
زينب تسيل من على السّرير على أرضية البهو كقطرة زيت بعد صرخة باهتة !
وقضت ...     

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

البوّاب .....؟؟؟


جميع موظّفي الشّركة الّتي كنت أعمل فيها سابقا ، هاتفوني واحداً تلو الآخر وأعلنوا تضامنهم الغير المشروط معي عقب استقالتي المفاجئة من شركة "الحجاب" المختصّة في صنع الألبسة المحتشمة الخاصّة بالسّيّدات ، والّتي كنت أعمل فيها مستشاراً خاصّا للمدير، ويده اليمنى ليس بالضّرورة الّتي يبطش بها، ولكن الّتي يعتمد عليها في كلّ شيء، أكان هذا الشّيء متّصلا بشؤون الشّركة أم بشؤونه الشّخصيّة ؛ حتّى  أنّ السّكريتيرة المتحجّبة الّتي لا يستطيع أحد من موظّفي الشّركة ، حتّى المدير نفسه لا يستطيع أن يُشبع نظره من بؤبؤ عينيها  - ناهيك عن أن تمنح له هنيهة من وقتها الّتي تطارد فيها الشّيطان دون كلل - هاتفتني في اليوم التّالي للواقعة المفاجئة كما سمّتها ، وتأسّفت لكونها آخر من يتلقّى الخبر وممّن ؟ من البوّاب دون غيره ! وقالت إنّها مستعدّة للوساطة بيني وبين المدير ، وهو ما رفضتُه وأنا أضع السّماعة بعنف دون أن أمنحها فرصة حتّى لإتمام حديثها . لكنّ الأمور لم تقف عند هذا الحدّ بل زادت تعقيدا حين فاجاءني أربعة من زملائي السابقين في الشّركة تتقدّمهم السّكريتيرة نعيمة يزورونني في بيتي ذات مساء وفي خطوة تنمّ عن حسن نيّة رفض موكب العزاء أن يتناول أيّ شيء من مّا كانت زوجتي معتادة أن تقدّمه لضيوفي . وكان السّؤال الوحيد الّذي طرحته نعيمة نيابة عن الزّملاء الآخرين يتمحور حول : ما سرّ استقالتك المفاجئة من عملك ياجمال ؟ وأضاف أحدهم : أنّ تفانيك وإخلاصك في الشّؤون المسندة إليك تجعلنا نضع علامة استفهام كبرى أمام هذه الإستقالة التي لا نراها إلاّ استفزازيّة لنا كذلك ، إلاّ إذا كان وراءها سرٌّ مكنونٌ تخفيانه أنت والسّيّد المديرعنّا . لمّا تضايقت من سهام أسئلتهم . قلت لا يمكن لي أن أضيف أيّ تعليق ، شكرا على زيارتكم ..
ولقد علمت بواسطة البوّاب الّذي عادة ما ألتقيه في سوق الخضر كلّ مساء خميس توظيف الشّركة لشخص آخر مكاني . البوّاب الّذي ربّما يتعمّد أن يلتقي بي كلّ خميس في نفس المكان توجّست منه خيفة . هذا الخوف الّذي بدّده  البواب بعد هذا اللّقاء بأسبوع حين همس لي في أذني ونحن وسط  الباعة والمبتاعين بالسّوق الشّعبي : ياجمال أعرف كلّ شيء عن سرّ الإستقالة  كما عرفت كلّ شيء عن جميع الّذين سبقوك في نفس وظيفتك فكان مآلهم نفس مآلك لا الّذين استقالوا ولا الّذين طردوا ,أضاف : الّذين يقبلون أن يكونوا بستانيين في حدائق المدير الخلفيّة إنّما يفعلون ذلك خوف أن يفقدوا عملهم لكن سرعان مايجدون أنفسهم مطرودين لا عمل لا كرامة ، أنت ياجمال وقليل هم أمثالك إخترت الكرامة والعزّة لنفسك .. وكنت أردت من البوّاب أن يعرّفني بطريقة الوصول إلى أشياء كان قد طلبها منّي المدير وربّما طلبها ويطلبها باستمرار وانصاع له الكثير ممّن سبقوني ، من وراء حجاب وفي غرف مغلقة وتحت أشعّة ضوء باهت  داخل الشّركة وخارجها في فنادق بأسماء متعدّدة كان يحجز فيها مقاعد لزبناء من مستشاريه الخواص تحت التّهديد بالفصل ؛ كانت إجابة البواب مختصرة : لكلّ منّا عمله ووسائله الخاصّة الكفيلة بإنجازه .. وعندما ودّعته باندهاش قال :  سأضيف لك شيئا الّذين طردوا ليسوا ضحايا المدير وإنّما هم ضحاياي ومنهم أتقاضى ضعف ما أتقاضاه من الشّركة حتّى أستر عوراتهم أمّا المدير " فَحْريرْتو حْريرَهْ " وأضاف في خبث : هذا البوّاب الّذي لا يولونه أيّ اهتمام أثناء عملهم حين يطردوا صاغرين يسجدون له في السّوق الأسبوعي كلّ خميس ..
  وبعد سنة إلاّ أقلّها ، جاءني خبر اعتقال المدير ّالحاج العربي" متربّصا بأحد مستشاريه في مكتبه بالطّابق الثّاني من العمارة الّتي تحتلّها شركة "الحجاب " في حالة تشيب لها الولدان . وتمّ إحالة الحاج المديرعلى العدالة للتحقيق ومحاكمته . ولم ألتق البوّاب بعد ذلك كالمعتاد في أسواق الخميس لكنّه هاتفني وقدّم نفسه أنا البشير البوّاب أردت أن أجعل نقطة نهاية لهذه المهزلة الّتي ورغم أنّني اغتنيت منها إلاّ أنّها أقضّت مضجعي وتقضّه باستمرار فاتّصلت بالشّرطة فكان ماكان .. 

الثلاثاء، 29 أبريل 2008

أ ُريدهُ ...!!

هي لا تستطيع أن تقول شيئاً ، لكنّ عينيها أوحتا لي بما يشبه إستجداءً للتّحرّر من جدران المنزل. سبقتني لدى الباب ، عشرة دراهم هي كلّ ما تبقّى لي من مصروف شهر عملٍ مضنٍ , وأمامي أسبوع بثوانيه ، دقائقه ، ساعاته ، لياليه ونهاراته ، قبل أن يحتضنني صدرُ الحوالة الضّئيلة . رُبّاه : رحماك بي ، طيلة عشرين سنةً كمدرّس في أقسام التّحضيري، لم يسبق لي أن وفـّرتُ درهما :قالوا عن الجيب المثقوب ، وقالوا عن " التّابْعه " ، وقالوا عن " العين " ، قالوا وقالوا ... لم أهتمّ ...زوجتي وحدها تدّعي معرفة مكامن الخلل .. هي وحدها تعرف أين يَصُبُّ نهر الحوالات الشّهريّة . تقول في سخريّة قاتلة : ( إنّ بطنك يعادلُ " شواري " حمار .. ) ... ( إنّ بطنك لو صبت فيه جميع أنهر الدّنيا ما ملأته .. ) كذلك لم أهتم .. تارة أنظر إليها في استغراب وتارة أنهرها وأحذّرها من تكرار هذه الحماقات ...
أخذت القفـّّة في عجل، لكنني وجدتها لدى الباب تنتظرني ، مدّت إليّ يديها الصّغيرتين ، لم أشأ أن أحملها كعادتي والإرهاق أخذ منّي مأخذه ؟ كان منزلي في الطابق الثّاني من عمارة تطلّ على الشّارع الكبير ، وكان عليّ أن أهبط درجات ملتوية ، أظن دائما أنّ لاحدود لها . ونحن ننزل ، أمرت إبنتي نسرين أن تتّكئ بيدها اليمنى على درابزين السّلم الحديدي بينما أمسك ُ يدها اليسرى برفق زائد عن اللّزوم .
كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة ، كأنّها أفواج نمل هائج ، تسلّلت بسرعة وحذر شديدين وأنا أمسك بأصابع يد إبنتي..لحظات ، ثمّ وقفنا أمام " السّرغيني " بائع الخضر. أربع دكاكين تصطفّ في محاداة رصيف الشّارع الضّيّق ، أصحابها يعرفونني وأعرفهم جيّداً . عند السّرغيني نصف كيلو طماطم نصف كيلو جزر وأمثال ذلك من البطاطيس والبصل .. كان عبد اللّه الجزّار يرمقني بعينين دامعتين أشرت إليه بغمزة جانبيّة ..إنطلقت وابنتي إلى دكان بيع المواد الغذائية طلبت منه نصف ليتر من الزّيت. اَه ٍ : نسيت الفلفل درهمان هو كل ما تبقى لديّ ، السّرغيني يعرفني جيّدا أؤدي في الحال ولا أستدين ..
كدت أنصرف ، لولا أنّي تنبّهت إلى وقوف نسرين كصنم لايتحرّك.. نسرين تعالي ...لكنّها لم تستجب . كانت عيناها مغروزتين في شيء ما ، اقتربت ..أخذت يدها ..جرّته في عصبيّة ملفتة للنّظر .. حاولت مرّة أخرى لكنّي فشلت .. حاولت فهم معنى هذا العناد من خلال بريق عينيها .. وجهها كان شاحباُ ، نسرين ذات الست ربيعا..لا تستطيع أن تبوح بشيء ..لكنّها ومن قرائتي لدموع تسيل ببطء فوق خدّيها ، توشك أن تقول شيئا ..سيّارة سوداء اللّون تقف فجأة بمحاذاة الرّصيف ، ينزل منها رجل بكرش مندلق، فسحت له بسرعة حتّى لا يدهسني جسده الضّخم وهو لا يدري ، هولايبتاع خضرأ : أربع كيلو موز أربع كيلو تفـّاح خمسة كيلوإجاص و...هو يأمروالسّرغيني ينفّذ بسرعة و كأنه يُصعق بشحنة كهربائية ، ثم يخرج من دكّانه يحمل ماتبضّع الرّجل إلى سيّارته الفارهة ..مازالت إبنتي نسرين جامدة في مكانها رافعة يدها اليمنى ، مشيرة إلى عرجون موز متدلي في واجهة دكان السّرغيني ..: ماذا تريدين ياعزيزتي .. ؟ حان الاَن موعد الرّجوع إلى المنزل ... يدها ..إبهامها مازال ثابتا على الموز .. همست في أذنها : نسرين سوف أشتري لك حلوى كثيرة ..هيّا سنعود الاَن ، إنه لا يؤكل .. إنّه ديكور ..؟ لكنّها ماتزال واقفة كعمود مصباح الشّارع ..كان وجهها ينذر بانفجار محتمل ..لا أريد أن تنفجر ..ولكن ماذا عساي أفعل .." نسرين لم يتبق لديّ نقوذ ..هيّا.. إذا سأشتري لك موزا وتفـّاحا..
شامخة كالجبل ..! سحبت ُ يدها بعنف ، والرّجل الَضّخم واقف ينظر إليّ بعينين عسليّتين .. فجأة إنفجرت نسرين بكاءً ..وانطلقت معه أوّل كلمة منذ أن أبصرت النّور ، ما تركت طبيبا ولا اختصاصيأ في البكم إلاّ زرته فخرّب جيبي دون جدوى ..الاَن تكلّمتْ " أُريدهُ " الرّجل البدين حسم الموقف الّذي سماه مهزلة .. إنطلق إلى سيّارته في هرولة ، وأتى بموزتين ، الأولى مدّها إلى نسرين ، أخذتها بلهفة : شكرا .. قٌالت للرّجل ، الّذي مدّني بالأخرى رفضتـُـها بعناد فيه رائحة كرامة ، لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق ..... !!
بلقاسم إدير بني ملال 2001

جريمة قتل .....

في صغري وحتّى عندما اشتدّ عودي، كانت أمّي تلومني دائما برهافة حسّي وليونة عظمي : تقول أحياناً : إنّ عزيمتك أوهن من خيط عنكبوت .. وكنت أردّ عليها عندما يكلّ صبري : من يشبه أمّه فما ظلم .. وكانت تردّعلي في حزم : كلاّ لا تشبهني أبدا .. إسأل أباك كم مرّة أغلقت عليه الباب ، وبات اللّيل كلّه هائما على وجهه حتّى الصباح ..وفي ليلة ماطرة عندما أساء معاملتي بكلمة ولم يلق لها بالا ، أغلقت باب المنزل دونه ، وظلّ طوال اللّيل يرتجف من البرد والمطر وينتحب كطفلٍ صغير، وأنا أطلّ عليه من النّافذة ضاحكة مستبشرة ، حتّى بزوغ الفجر. ولولا خوفي عليك من موته ما فتحت له الباب أبدا ... ؟كان أحمقا سكيرا عربيدا ، يقطع الشّارع الكبير جيئة وذهابا ،يشتم ، يسبّ ويلعن الجميع ، ولا أحد يستطيع أن يوقفه عند حدّه . طاردته سلطات الأمن وشرطة المدينة وسجن ، وأطلق سراحه ، وسجن وأطلق سراحه مرارا وتكرارا ثمّ في الأخير أودعوه مستشفى المجانين . لم يدم ذلك طويلا حتّى هرب من المستشفى . ولمّا كلّ ساعد الجميع ، تركوه كعادته يتربّص بالمارّة ، النّساء والفتيات والعجزة الّذين لا حول لهم ولا قوّة . وكان ذكيا حين يختار ضحاياه من الجبناء والضّعفاء أمثالي ..ينتزع من الفتيات والنّساء زينتهنّ من الذّهب والفضّة ومن الرّجال النّقود بالقوّة.. وتلقت سلطات الأمن شكايات تلو شكايات.. وكانت الإجابة واضحةً وصريحة : الدّين رفع عنه القلم ، والقانون رفع السّوط عنه ..وكنت ذكيّا إلى درجة أنّني أنتهز الفرصة حين ألتقي به في مكان ما ، أفتعل إنبساطا متكلّفا ، أخرج له من جيبي دراهم ، ربّما كانت هي كلّ ما أملك ، قبل أن يأمرني بذلك ، ثمّ اربت على كتفه في حنان مبالغ فيه ، وأمضي.. ربّما سمعت منه أدعية مطلوقة على عواهنها ، وربّما كنت أسمع أحيانا سبّا ولعنا أحسبه شماتة .. ؟وتوالت الأيّام ... وكانت هذه العلاقة الشّاذّة تتطوّر من سوء لأسوء ، حتّى أحسست أنّه كان يترصّدني . وكنت أجد حرجا بالغا حين أرافق زوجتي وأبنائي خارج البيت . وأجدني أشدّ حرجا حين أكون بين إخواني الأساتذة في المقهى أوأمام مبنى الثّانويّة . كان هذا الأحمق يطاردني .. كنت في بعض الأحيان أطارد وساوس تقضّ مضجعي ، وتجعلني أسير مخاوف لا أجد لها مخرجا . حتّى أصبح هذا الأحمق يسيطر على هواجسي ليل نهار ..لم يدم ذلك عاماً كاملا .. وعزمت أن أدفن الماضي بقوّة وإصرار ، وكنت أشك في أنّني أستطيع ذلك ..وكيف..؟كنت في المقهى أناقش مع بعض أصدقائي الأساتذة ، مشروع إنشاء جمعيّة تهتم بالفنّ القصصي في إطار بلورة البعد الثّقافي لمجلة شهرية تصدرها نخبة من الأساتذة ، كلّفوني رئيسا عليها .. لم يدم ذلك أكثر من وضع اللّمسات الأولى ،حتّى دخل عبد السّلام .. وقف بباب المقهى يحملق حتّى رمقني بسرعة ، وكنت تحاشيت أن أنتبه إليه ، وقف أمام طاولتي ، حاول النّاذل أن يحول بيني وبينه لكن دون جدوى . لم يطلب منّي مالا . لكن في ومضة خاطفة رفع كوب القهوة السّاخن وصبّه دفعة واحدة فوق رأسي وأضاف إليه كوب ماء بارد كان على الطّاولة .. وفي نشوة هيستيرية أطلق ضحكة عالية ثم غادر المقهى وكل الزبناء وقفوا مشدوهين شاخصة أبصارهم لا يألون على شيء ... لم أفعل شيئا ، لم أصرخ ، بينما بطاقات العزاء تنهمر عليّ وتشجّعني على الصّبر واَخرون رفعوا حناجرهم : اللّهم إنّ هذا منكر ..لم أسأل أحدا عن مكانه ، لأنّه موجود في كلّ مكان ، ولم أبحث عنه لأنّه يطاردني كظلّي .. قصدت مرتع قمامة خارج المدينة وكان الوقت على مشارف الثّالثة صباحا .. زوجتي اندهشت عندما أجبتها على سؤل : إلى أين خارج في مثل هذا الوقت .. قلت لها : سأبحث عن سجائر والنوم لا يطاوعني .. وجدت عبد السّلام هنا يبحث ربّما عن أعقاب سجائر ، طلبت منه واحدة .. أعطاني إيّاها إشعلتها في لهفة ، تقرّب منّي ضاحكا وأسرّ إليّ : أنت إذن ستكون من أعزّ أصدقائي ، هذا هو عالمي ووطني ! من يشاركني فيه أعتبره صديقا ، ومادون ذلك فهو عدوّي . كا ن عقب السّيجارة يحترق بين أصابعي عندما تلقّفت قنينة زجاجيّة فارغة ، وفي لمح البصر ، هويت على رأس عبد السّلا م بضربة كأنّها إعصار مزلزل سقط أرضا ترنّح قليلا كعصفور مدبوح ثمّ تلاشى ...؟؟؟كانت تباشير الفجر تلوح في الأفق عندما دخلت المنزل ، سقطت منهكا على الفراش ، وتلاشيت ...ثلاث ساعات من النّوم ، استيقظت ، وتناولت فطوري في عجالة ، واستقلت الباص ، لكن ليس إلى الثّانوية ، ولكن إلى مقر الشّرطة . قدمت نفسي : أنا قاتل عبد السّلام الأحمق ، أرجوكم أقيموا عليّ الحدّ وطبّقوا القانون ، مفتّش الشّرطة والاَخرون ، وقفوا كأنّ على رؤوسهم الطّير ، لم ينبس المفتّش بكلمة دفع تقريره للمحكمة الّتي بتّت في القضيّة ، ثمّ أصدرت حكمها بالسّجن المؤقّت إلى حين إنتهاء إجراءات الطّبيب الشّرعي ..؟بعد يومين من السّجن ، سقطت زوجتي مغشيا عليها حيث ذكّرتني أمّي بأنّها تعالج الاَن في المستشفى : وأبناؤك يا بنيّ في عهدتي حيّا أو ميّتا : واسرّت لي في أذني أنت إبني حقّا ..؟بعد مضيّ أسبوع كامل في زنزانة منفردة ، أخرجني حرّاس السّجن مكبّلا بالأصفاد ، سحبوني وأنا أتلوا الشّهادتين ، قال لي شرطيّ : ليس الاَن .. حتّى يصدر عليك الحكم أوّلا ، فاحتفظ برباطة جأشك حتّى تتلوها صحيحة وحبل المشنقة حول عنقك ؟؟كتمت الشّهادة إلى حين موعدها الحقيقي ، دخلت المحكمة الغاصّة بالحاضرين .أمّي وزوجتي وأبنائي الأربعة في الصّف الأمامي .. زوجتي غارقة في البكاء ,بينما أمّي هادئة حتّى أنّها تبتسم أحيانا ..وراء القضبان لم أنكر التّهمة الموجّهة ضدّى من طرف طالب الحقّ العام أسئلة كثيرة، إنهالت عليّ من طرف المدّعي أجبت بما يؤدّي بي فورا إلى حبل المشنقة ...سأل القاضي المدّعي العام إن كان يريد إضافة سؤال اَخر، أجاب بالنفي ، ورفعت الجلسة للمداولة .. أمّي تحييني من جهة وزوجتي تستغيث أن يخفّف الحكم عليّ إلى أدنى عقوبة ، وهي السّجن المؤبّد...بعد نصف ساعة من التّرقّب والإنتظار خرج القاضي وهيئة المحكمة ، وتلا القاضي تقرير الطّب الشرعي ..وأضاف : لا يمكن للمحكمة أن تصدر حكما بناء على دعوى ليس لها إسناد شهود .. الجريمة وقعت ليلا ، ولا شاهد واحد يتبّث ياأحمد أنّك المتّهم وتقرير الطّب الشّرعي يؤكّد أنّ الهالك مات ميتة طبيعيّة ، ولم يُقتل ، لفرط شربه الكحول وهو معروف بذلك . تحريات الشّرطة تؤكّد وجودك في المنزل أثناء وفاة الهالك . ونحن قاضي المحكمة نأخذ بعين الإعتبار إتّهامك لنفسك على أنّه تأكيد لمبدإ جعلته عنوانا لقصصك الكثيرة : كلّ ذنب وراءه مذنب ..... أطلب إطلاق سراح الكاتب أحمد فورا وتبرئته من كلّ ما نسب إليه ؟ في الخارج ، لدى باب المحكمة ، أسرّ إليّ القاضي : يا أحمد لا تلعب بالنّار الواقع واقع والخيال خيال ...؟؟ جمعية الفن القصصي رفضت نشر هذه القصّة في المجلّة الشّهرية للثّانويّة معلّلة ذلك بتحريضها على القتل واستهانة بالقانون .. وحتّى لا أسقط في فخّ الضّعف والهوان مرّة أخرى ، ولغاية في نفس أمّي ، دفعت إستقالتي لنائبي في الجمعية وغادرت الثّانوية..لم ألتقي عبد السّلام أبدا على طول الشّارع إلى المنزل ....لدى الباب كانت أمي تنتظرني : إنّك إبني حقّا ...؟؟
بلقاسم إدير أزيلال 2008

خيوط العنكبوت ..!!!


قلت لزوجتي عندما لم أجد بدّا من ذلك : إنّي لم أعد أحبّك..بيننا صحاري شاسعة من الرّمال والملح.. قالت والدّموع تنهمر من عينيها الذ ّابلتين : حاول أن تنبتها حدائق وتفجّرها جداول .!.قلت لا أستطيع ؟....أنوء عنها رويدا رويدا و تحاول هي أن تزرع ما بيننا أزهار الأقحوان الّتي تعمّدت أن أجعلها تذبل سريعا بينما تعشوشب على مدار المسافة ورود النّرجس . حتّى إذايئست من حبّ مستحيل يجدد الألفة تركتني لحالي .!. وابنتاي الصّغيرتان تذرفان دموع الدّهشة من يباس ، خافتا أن يطال كلّ شيء جميل في بيت حاولت أمّهما جادة الدّود عنه بكلّ غال ونفيس .. فصول تناسلت ...الرّبيع وحده لايزهر في أفق فاطمة الّتي تذبل يوما بعد يوم حتّى كدت لا أراها إلا قفص عصافير.. حاولت لكنّها فشلت ....!كان يوما إستثنائيا ، عندما أتتنى مكالمة هاتفية . تقول: إنّني أنثى تائهة في مدى لا حدود له . وأضافت - والرّبيع بدأ يشتعل والصّقيع يذوب بسرعة هائلة في كل كياني – إنّني أعرفك جيّدا .!!. أنت منقذي من عذاب لا أطيقه .. كبحت الهاتف بعنف رغم أنّ ورود النّرجس كادت تصرخ منّي ..إستمرّ الحال عدة أسابيع وخاصّة أثناء عملي في المكتب .. وكنت أخاف أن تهاتفني في المنزل وأنا احرق المسافة الممتدّة مابيني وبين زوجتي فاطمة ..لكنّ ذلك لم يحصل. وأعجبني في سميرة ذكاؤها المفرط بل صرت دمية تلاعبني كيف شاءت ، حتّى استقرّ الأمر في تحديد موعد للقائها في حديقة العشّاق وسط المدينة ...أخذت إجازة قصيرة من مدير الشّركة . كانت السّاعة تشير إلى الرّابعة زوالاً ....إتّصلت بحلاقي الخاص منبّها أنّي سأكون في عجلة من أمري وعليه أن يقلّص ما أمكن شعيرات بيضاء بدأت تزحف على جنبات رأسي ووضع بعض رتوشات ماكياج ..إذا امكن ياصديقي أن ترجعني عشرين سنة إلى الوراء .. ؟ إنتهى منّي وأضاف : ربّما زيارة رسميّة وتحاول أن تقفز من المستحيل إلى الممكن .!!. لم أجبهُ ، غادرته واتّجهت إلى بائع الورود ثمّ هرولت إلى أوّل سيارة أجرة تتأهّب ُللإنطلاق ..بيدي اليُمنى إلى صدري احتضن باقة ورد مزركشة من كلّ ألوان الطّيف . دلفت إلى حديقة العشّاق وأنا أجول بعينيّ اللّتان تشعّان بريق النّكهة الأولى ،أبحث عن هيئة ، عن جسد عن لباس ، قالت سميرة إنّه سيكون بلون الورد عندما هاتفتني في الصّباح ، محدّدة كل التّفاصيل ..بحثت حتّى بدأت أسرق إنتباه الاَخرين ..لم أجدها بتلك التّفاصيل المحددّة ، لمّا ضقت ذرعا جيئة وذهابا ، فاجئني صوت عذبٌ ممزوج ببحّة شهوانية من ورائي أدرت جسدي في خفّة ..كانت هناك وحيدة ، تلبس لباسا مارأيت مثله أبدا ، أوهكذا ظننت ، ممشوقة القوام أوهكذا خيّل إليّ ، بشعرٍ مسدل كأنّه ألياف حريرية !غير أنّني تمنّيت لو رأيت وجهها كانت تسند ظهرها على متّكإ كرسي الجلوس العمومي ، وتشير إليّ بيد ناعمة أن إقترب .. إقتربت في لهفة وكلّما كانت قدماي تقترب من محيطها ، كانت رجلاي تأبى أن تحمل جسدي ّ... الاَن أقف أمامها .. كانت تلف ّ وجهها بخمار حليبيّ زاد من اندهاشي ..أمرتني أن أقترب منها ... تجسّست في محيط الحديقة بعينين جائعتين لعلّ أحدا كان يرصدنا . بدأت تهيم بصوت عذب في بساتين الحبّ والعشق .. تعدّ بدقة كل صفاتي الحميدة وترمي إلى القمامة ما قالت أنّها بعض هفواتي الصّبيانية .!.. تتكلّم وتقترب منّي شيئا فشيئا، حتّى أصبح ما بيني وبينها محض شبر ..بعدها أدارت بوجهها إليّ ..:وقالت هل تريد أن أنزع خماري هذا .؟. قلت بخجل شديد : أنت رائعة هكذا .!. واستمرّت تحكي لي عن..عن ..وأنا أحكي لها عن.. عن وعن ..لمستني بيدها النّاعمة ..قالت أتعدني أن تبقى بجانبي ؟ قلت وأنا أرتعد شوقا ، : أحلف لك بأغلظ الأيمان أن لا أتركك أبداً .!. إقتربت منّي حتّى كادت تضمّني إلى صدرها وأضافت : وماذا عن زوجتك ؟ حرت جوابا .!.تلعثمت واستجمعت قواي ..س س سسسس ...............إذّاك نزعت خمارها ،فسقطت أرضا كدجاجة مدبوحة ؟؟؟ وامُعتصماه ْ ... إنّها زوجتي ....!!!!ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم بلقاسم إديري 2008 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قسارية التّقدّم !!



عندما زُفَّ خبرُ حلول الضيف الجديد على قسارية التّقدم،استقبلني حشـد التّجّار والحرفيين بمـزيج من المشاعرالمُتأرجحة بين التّشجيع, والدّعاء لي بالرّزق الوفير, وبين الخوف والحسرة على مستقبلي, الّذي هم أدركوا أنه لـن يكون إلاّ شبيه نهاية الّذين سقطوا في فخ مظهر القسارية, والّذي يخفي موتاً متجدّداً عادةً مايحلّ بالقسارية وتجّـارها في العشر الأواخر من كل ّشهر, ثم لا يلبث أن ينقضّ على عديدٍ منهم, فيرحلون خاسـئين إذعاناً لأمـر- الديكتاتــور- صاحب القسارية : (خلّص أولاّ خوي)! كما يقول "المكّي" صاحب دكّان رقم 1 إصلاحـيّ الأجهزة الإلكترونيّة ؛ لـــم تبهرني تشجيعاتهم, ولم تثبّطني تخوّفاتهم ، فقد اعتدت على أمـورٍ مثل هذه وأخـطر من ان يتحمّلها إلاّ ذو كـــفاءةٍ عالية ٍفي التّحايل و " التّخلويض " ، واعتدت بحكم تجربتي الواسـعة, أن لا أنزعـج أو أتراجع لمجرّد أنّ كلّ مصائب الدّنيا تكالبت عليّ ، وكشّرت كلّ المواجع والموانع أنيابها في وجـهـي ؛ سرتُ في طريقٍ ما ، في زمن ما ، كـنت مضطرّاً فيه إلى السّير, دون أن أكلّف نفسي عـناء البحـث إلى أين؟ وقد كان من الطّبيعي أن يصحوَ ضـميري _إذا كنت ولدت به حقّاً_ من فترةٍ لأخرى ،لكن ، مع ضيق الأفق ، وقلّة حيلتي فـي ميدان الرّغيف وضـغوط صاحبـة جلالة بيتي الّتي تجيّش في وجهي كلّ يومٍ أفواه أبناءها الأربعة كلّما أرادت أن تقرّ قراراً أو تقدّم طلباً من طلـباتها المتجدّدة؛ ومع ضـغوط أصحاب الفخامـة جبـاة الكهـرباء والمـاء الصالح للشّرب وصاحب البيت الّذي أكتريه وصاحب الدّكّان الّذي أضفته إلى حملي والّذي لابدّ وأنه قاتلي ..مع كل هـذا لم يعد لضميري مايقدّمه لــــــي ... .
القـساريّة تتكوّن من عشرين دكّاناً ؛ إلى يمين المدخل الغربي: يوجد مرحاض كتب على بابه " خاص " عندما اختلف تجّار القساريّة على من يحرسه, تركوه مفتوحاً ، ومن لحـظة لأخرى تقوم حربٌ معلنــة ضـد ّزبــون أوعابـرٍ دخـل المرحاض أوعلى وشك الدّخول إليه : يصرخ "العربـي" في وجهه، ثم يهرع "الدّمناتي" و"بو شعيب" و"الحاجّة فاطنـة"و"موحاأبوكاض" دون أن يكـون هناك أيّ داعٍ لهذا التّدخّل ،حـيث يـغادر الخارق للقانـون الدّاخـلي لقسارية التّقـدّم سابّاً أوشاتماً وفي أحسن الأحوال : معتذراً . . أجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ أمام دكاني ، أراقب عن كثب ما يحدث داخـل هذا الإصطبل ، كل الزمــــلاء أحبـّائي وأشقّائي في هذه القساريّة , يشفقون عليَّ, يدافعون عنّي, ويتدخّلون دفاعاً وذرءاً لأيّ هجـوم أتعرَّض لـه. "الدّمناتي" في خليط من والسّخريّة والجدّ :< معارك اللّيل أودتْ بشبابك يا إبراهيم ، إنّ لنفسـك عليك حقّاً.!..> هذا هو وجه الحقّ: ببنيتي النّحيلة والشيب الّذي بدأ اشتعاله في جنبات جمجمتي والتبغ الرّديء الّذي جعل صـدري قفص عصافير: لاأستطيع حتّى الدّفاع عن نفسي، فــماذا عن أن أهاجم أوأصرخ في وجـه أحد ؟ "المكّي" علـّق ورقة على باب المرحاض "مؤدّى عنه : درهم واحد " قال : نؤدّي به ثمن استهلاك الكهرباء والماء وما تبقّى نشربـه شاياً في جلستي الضّحى والعصــر.."اليعقوبي" و"الحــاج الطّاهر" و"الميلودي" ينكرون علـينا هذا الإسراف والتـبذير وأكـل أرزاق النّاس بغير حق؛ بعد شهر فقط لم تكن حسابات المكّي دقيقة : أدّينا من جيوبـنا . "الملاّلية وفي خطوةٍ مفاجئة ترفض الإشتراك والدّخول في دائرة "سياسة المكّي السّخيفة " أضافت وفي تحدّ صارخ للمكي_الّذي لا يستطيع أحدٌ منّا ولايتجرّأ على وطء بٌصاقه_: عْقْنا أُوفْقْنا. كان هناك احتمال وقوع حرب ,أوْ حصار, وقد وقع !: لايجالسها أحد ,ولاينظر إليها أحد ..


.المكّي الإلكترونيكي يصعّد المواجهة في الجبهة الأخرى: يعترض الزّبائن عند مدخـــل القسارية الغربي بينما في المدخل الشرقي كنت مجبرا على الإمتثال لأوامره ,قال :يجب أن تؤدّي الملالية الثمن غالياً أعترض الزبائن بدوري , أوجّههم إلى الدّكاكين الأخرى وأحّذرهم أن لايقعواْ في فخّ الملاّلية بائعة الماكياج والملابس الدّاخلية. بعد نصف شهر غادرت الملاّلية دون رجعة .هذا المكان الّذي من الراجح أن يكون أصحابه تجّاراً وروّاده زبناء البيع والشّراء, اكتشفت لاحقاً أنَّ القسارية تحتوي على أحزاب كل ّحزب بما لديهم فرحون...عصابات يقتتلون , يتنافسون في الأسوأ , في ساعة الذروة المسائية: يتراهن "أوعمّي" و"إيبورك" على الزّبونة التي تدخل أوّلاً على "عائشة مزّيْن" الحلاّقة بدكّان رقم2 , ينضاف إليهما "أوغولياس" الّذي لايُعرف مثله على مستوى المدينة ,بارعا في فــنون القدح والهتك للأعراض والغيبة والنّميمة؛هناك جماعة تؤذّن للصّلاة, بينما أخرى تقيم حفلة شـاي على شرف زبـون حامواْ حوله وأنهكواْْ جيبه ,ثمّ يعوّضونه بكأس شاي ؛ عصابة تضحك ,تغمز,آخرون يحتجّون.."الحاج الطّاهر" يقول أنه بارع جدّاّ في الكشف, يحزر فجأةً : هذا جيبو خاوي, هذا عندو مايْجبْد,هذا حاجة أُو زيارة, أوهذاك زيارة بلا حاجة,وهكذا دواليك."الحسين أمدياز"طالب لفظته الجامعة أجيرعند صاحب دكان رقم15 بائع لوازم الدّيكور المنزلي ؛ لايجالس أحداً, يتقرفص داخل دكّانه: يقرأ جريدة أو يطالع كتابا ًاًو وفي أغلب الأحيان يطلق العنان لمذياعه بقوة,حتى لايسمع أحداً أويسمعه أحد؛لايصغي لتهديدات المكّي.الأخير: نحن نعرفه جيّدا :يقول ويفعل,وقد فعل؛ ذاتـ عصر, ضرب المكّي الحسين بلكمة هوى إثرها على الأرض كعصفور مدبوح ؛ شكاه الحسين إلى صاحب القسارية :< شغلكوم هذاك > ثم إلى باشا المدينة : < سوف نرى ما يمكن القيام به > . لم يحصـل شيء,العربي وهو مـن أذناب المكّي المخلصين, صاحب دكّان بيع الحنّاء والتمروالفواكه الجافة, طمأننا :< دعواْ,أمدياز, سوف يـــغرَق تدريجيّاً ويرحل كما رحل الآخرون...> بعد ذلك بشهور, لست الوحيد الّذي رأيت نهايتي وشيكة , كل زملائي التجّار والحرفييّن أصبحواْ قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس والغرق في وحل الدّيون المتراكمة تحت يافطة : "مايْصْبحْ حتى يْفتْحْ ", "الحسين أمدياز" لم يرحل , لمّا وهنت عزيمته وكلّت مقاومته أمام طغيان المكّـي وغطرسته : انضـمَّ إلـى "عصابة الحثالة" و "شرذمة السّفلة " كما كان يسمّينا سابقاً, جمعنا ذات صباح والمكّي يستمـع إليه,قال:سوف نطالب صاحب القسارية "الحاج حمّو" بخفض سومة الكراء من خمسمائة إلى ثلاثمائة درهــم,أو" لاخْلّْص وَلاَخْوِي".لكـنّ هذه لم تنطل على الحـاج حمّوصاحب القسارية.

صباح ذات خميس, الحسين: الطّالب المتقاعد_قبل الأوان_وجدنـاه ُملقىً على الأرض مدرّجاً في دمائه قرب النَّافورة الّتي تتوسّط القساريّة, مغمىً عليه،أتت الحاجّـة "فاطنة" بقـارورة عطر نسائي رشّت به أنفه , فانتفض:سابّاً وشاتماً؛ أسعـفناه ,قال : {إنّ الديكتاتور الحاج حمّو حرّض عليّ ولديــه فأشبعوني ضرْبا ولكماً وسوف آخذ بثأْري في الزّمان المناسب وفي المكان المناسب.!}. . عائشة مْزّينْ أغرم بها المحفوظ بائع الملابس الدّاخليّة النّسائيّة , تردّده على دكّانها دون ايّ داع ٍ,حامت حوله الشّكوك, وتوشك شردمة المكّي أن تتّخذ خطوات ٍجادّة في هذا الإتّجاه.إشـارات بالأصابع واستفهامات وهمهمــات مكبوتة أحياناً...وكنت أخشى من عواقب مثل هذه المـعارك الغير المعلنة,وإن كنت أجد لذَةً ما_إذا أفلحت_في إشعال فتيل معركة تنشب في السّرّ أو في العلـن فجأةً , لكن عادةً ما أكون الضّحية إذا اكتُشفتْ خيوط اللّعبة القذرة, فأكـون فريسة اللّطم واللّكم من أوغـاد لا يحترمون بنيتي المتهدّمة أصلاً بالتّبغ الرّديء والمعارك اللّيليّة كما يقول الدّمناتـي ,قد يتدخَّل آخرون أو أعتذر فيخلى سبيلي بأقلّ خسائر ممكنة .في هذه لاأستطيع التّحديد , هل كانت شبهةً أم اتّهامـاً ملفقا أم أقرب إلى التّلفيق؟:ماجرى ذاك اليوم , لاأعرف مَنْ مِنَ الحثالة صاحب الصّفـقة المُشـينة ؟: قيل للمـحفوظ فيما قيل له: إنّ إبراهيم همس في أذن عائشة بشيء فيه رائحة الغدر, وأنَّ محفوظــاً إنمّا يتسلّى بك وقلت_إذا صحَّ منّي ذلك_لعائشة أنَّ محفوظاً قد خطــب أخرى< فيقي أو عيقي> . بـعد حفــلة الشّاي "العصرية", جاءت عائشة قالت إنّها تريد صدريّةً مناسبة , أشرت إلى طاولةٍ عليها ملابس داخلية متنوّعة,إختارتْ واحدة ,قالت : لابد أن أجربها أشرت ومن جديد إلى زاوية يسدل فيها ستار أسود ؛ بعد لحظةٍ دعتني..لم أكن أتوقّع ذلك؛ اندهشت وجحظت عيناي.. وتوقّفت الكلمات في حلقي. أطللت على الدّكاكين الأخرى علّ أحداً كان يرصدني علناً أو من وراء حجـاب؛ لمّــا استيْأسْتُ خَلَصْتُ نَجِيّا , تمالكتُ نفسي قبل أن أستدرك على طلبها :إنني لايمكن لي مهما كانت حاجتك إليّ أن ألبّيها ! و أضفتُ إلاّ هذه فلا!!! لكنّها أصرّت , واستطردت : مجرد غلق صَدَفَة ! الحقيقة أنّ جادبيّة قويّةً كانت لي توحــي بشيء من التّراجع عن قراري ؛ في لحظةٍ غائمةٍ وبسرعة مددت يدي إلى السّتار, في الوقت الّذي كانت فيه يــدان حديديّتان تمدّان إليّ من خلفي ,يد تمسكان بشعري , وأخرى تقبض بقبضةٍ إسمنتيّةٍ على رقبتي النّحيلة . من ؟؟ لم تكن اليد الحديديّة إلاَّ يد زوجتي ,لم تنبس بكلمة, كانت تلقّنني دائماً مقولةً تقليديّةً: وقت العمل لايجدي فيه القول نفـــعاً؛ وهكذا فعلتْ :صفعتني بقوَّة في وجهي يمنة تمّ بصفعةٍ مدوّية يسرةً ,ثمّ بضربةٍ قاضيةٍ على جبهتي, سقطت أرضـاً ؛ ولأنّي لاأستطيع مقاومة صاحبة جلالة بيتي لابالقول ولا بالفعل فقد خَتمتِ المعركة من جانبٍ واحدٍ ببصاق كثيف على وجهي, تحسّسته بلغ أسفل عنقي.صدّقوني:كانت مكيدة مدبّرةً. لكن كيف استطاع المحفوظ ومُومسَه عائشة أن يرتّبـا أوراق مهزلة كهذه؟ .

حالةٌ من الهستيريا والفوضى مع بزوغ فجر كل يوم في قساريّة التّقدّم ؛ الحاجّة فاطنة ترشّ أمام دكّانها بالماء ؛ المكّي يصرّ على أنّ ما تبلّل به الحاجّة واجهة دكّانها ليس ماءً فقط !.. ذاقه وأمرنا بفعل المثل.السّائل مزيج من الماء و الفاسوخ والشّانوج وأشياء أخرى.احتجّ المكّي على الحاجّة فاطنة فطردته : دّيها فسوق راسك !! . . في اليوم التّالي المكّي يرشّ أمام دكّانه بنفس السّائل , قال : إنّ زوجته للاّزبيدة , إكتشفت فيه سحراً : يجلـب الزّبون ويدفع العْـكْس والتَّابْعَة والعين..!الجميع حذوْا حذْو المكّي في الأيّام التّالية تباعاً . زوجتي أصرّت على فـعل المثل وأعدّتْ لي بعناية دلواً مملوءاً من نفس السّائل قالتْ : سوف أعدّ لك كلّ يومٍ دلواً مماثلاً .. تردّدتُ حـيناً .ولأنّ الأمّة لا تجتمع على باطلٍ إمتثلتُ قبل أن يجرفني بحر القساريّة المالح..!! . " القساريّة مسكونة ."هكذا قال المكّي ودعانا إلى إضرابٍ عامّ , وقادنا في مسيرةٍ "سلميّةٍ " إلى منزل الحــاج حمّو قطعنا الشَّارع الكبير إلى وسط المدينة, حتّى بلغنا منزل الحاجّ, أطلّت زوجته من النّافذة : " نريد الحاجّ حــالاً" صرخ في وجهها المكّي . دقيقتين وانفرج الباب عن ابتسامةٍ عريضة للحاج. تقدّم المكّي بينما تراجعنا قليلاّ إلى الوراء نراقب الموقف عن كثب . الحاجّة فاطنة والعربي يُنَعِّمان على أقوال المكّي الصّاروخيّة : " كلمتان لاثالثة لهـما : أن تخفض سومة الكراء إلى ثلاثمائة درهم , نلتزم بدفعها دون تأخيرمتمّ كلّ شهر أو: لاخْلّصْ لاَ خْوي "...؟ ضــحك الحاجّ حتّى كاد يسقط على قفاهُ واستجمع قوّته وقال في سخريّة :" كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقــيلتان في الميزان" صدق اللّه العظيم.. حينها هتف الحسين أمدياز من وراء الموكب: آ سّي الحاج هذا حديث نبوي وليس قرآناً.. وليكن.. عقّب عليه الحاجّ . وفي رمشة عين هوى بصفعةٍ مدوّية , تردّد صداها في الزّقاق على وجـه المكّي فسقط الأخـير يترنّح كدجاجة مدبوحة !! " والحاج ..سبحان اللّه.. لعن الشّيطان آلحاج ..." هل وقفتُ أحتجّ ؟ هل غامرتُ فتقدّمـت كي أفضّ الإشتباك ؟ لا..معاذ اللّه.!! إنطلقتُ كالًصّاروخ..!! ماذا لوْ كانت الصّفعة الحاجّية من نصيبي ؟؟إستمرّ الحال يتدهور بسرعة. رحل الحسين وعائشة مزّين والدّمناتي وآخرون ,دفعوا المفاتيح لصاحب القساريّة بعد أن أدّواْ كلّ ما عليهم . غادروا ,بقيت أنا والمكّي والحاجّة فاطنة والعربي . مجموع العشرين دكّاناً لم يبق منها إلاّ أربعة دكاكين تفتح أبوابها باستمرار. بعد شهرين ,غادرنا العربي والحاجّة فاطنة. المكّي يعلن عن" الضّربة القاضية "
أفواجُ من السّائلين والرّاغبين في كراء دكّان يتقاطرون على القساريّة يوميّاً وكنّا أنا والمـكّي نعترض سبيلهم: شوفو أو حلّو عينكم , هاذ المحلات كانوأ عامرين, أودابا مّاليها هربوا لا ربح ,لا راس المال !!هذه جزء من بـعض الأساليب الّتي كان يلقّنها لي المكّي صباح كلّ يوم أستعداداً للمبارة النّهائية .عندما تحدّثت مع المكّي في أمر رحيلٍ بات وشيكاً وضروريّاً , صرخ في وجهي :" لن أستسلم .." أدّينا من رأسمالنا سومة كراء شهرٍ إضافيٍّ. أوّل بوادر الغرق ظهر في مُحيّا الحاج حمّوعند زيارة مفاجئة قام بها ذات صباحٍ للقساريّة,أطلّ على الدّكاكين وهي خاويةٌ على عروشها ,قال : لا يمكن الرّضوخ والقبول بهذا الأمر الواقع !؟ بكـى وكنت أسمع نحيبه عن قرب .مساء ذات خميس وقد إقترب موعـد إغلاقنا القساريّة, فاجئنا الحاجّ يتقدَّم جمــاعة من الفقهاء والطّلبة ؛ فرشت القساريّة عن آخرها وأوتي بمواقد انفجرت أدخنةً كثيفة, وأوتي بالشّاي وأطباق من الحلوى , ثمّ بدأت التّراتيل والتّعاويذ والجدب, وتهاطلت على الحاج حمو أمطار من الأدعية والدّعـوات , بينما كان يمطر الدّاعين له بوابـل من الأوراق المالية المختلفة الألوان وبكمّياتٍ متفاوتة , أثناء ذلك همس لي المكّي بخبث :ما نبـغ ؟, هذه أموالنا رُدّت إلينا.. !!؟ ثم بـعد اختتام " السّْلْكَة "أوتي بأطباقٍ وموائد الكسكس وأطباق من الفواكه المختلفة الأنواع والأشكال .. قال المــكّي هامساً في أذني وهو يضع آخـر لقمةٍ كسكس في فمه :" هذه نهاية بداية , وبداية نهاية قســـاريــة التّـــقـدم../





بلقاسم إدير أزيلال 2003

نهاية قصّة لم تبدأ بعد ,,,!!!




فكرت ذات فراغ لو أنّ حدثا سخيفا يفرغني من إحساسي بالزّمان والمكان،وجرّني على حين غفلة منّي إلى دهاليز اليأس ثمّ أعود إلى شيء حصل : كصفعة تلقّيتها منّي على وجهي ، كتمزيق مسودّة لقصّة، أولرواية أفنيت عليها ذبالة عمري....ثمّ حصل ماحصل....../

إستيقظت من كابوس مفزع فجأة، أضأت الغرفة من زر قرب سريري ، تسلّلت من على السّرير بحذر شديدـ حتّى لا أوقظ زوجتي . طفّأت نور الغرفة وأشعلت مصباح المكتب: كانت السّاعة تشير إلى الثّالثة صباحا، اللّيل ليل الشتاء الطّويل، لم تكف الرّعود طوال هذه الليلة من إثخام المدينة بزعيقها المدوّي.... جلست إلى المكتب أبحث عن مسودّة لقصّة وضعت خطوطها العريضة قبل أيّام، هل كانت لديّ رغبة ما في شيء ما ؟.. وجدتها بعد جهد جهيد..!.!تأمّلت البياض العنيد والمستفزّ، فكان عليّ أن أحضر كأس قهوة سوداء سريعة... إندفعت كالصّاروخ إلى بهو الشقّة...لم أكلّف نفسي عناء البحث عن الزّرّ الكهربائ أضيء به مابين المكتب والمطبخ. ثمّ كانت الكارثة ! الخيط الّذي يربط التلفاز بمأخد الكهرباء في الجدار ، لم يفصل بعد العشاء،والّذي أصرّت زوجتي ـ حفظها الله وشملها برعايته ـ أن يكون سريعا ،ودون الجلوس إلى مسرحيّة هزليّة جعلتها ضمن برامجي الموعودة قبل أسبوع. خطوة ..خطوتان...قدماي تشتبك بالخيط الواصل ، الّذي ضننته للوهلة الاولى : أفعى..قفزت مذعورا. ، ثمّ سمعت حركة..حركتان وإرتطام عنيف بأرضية الصّالون..ثمّ شلاّل من أصوات وهدير تكسّر الزّجاج...أعقب ذلك صراخ ينبعث من غرفة النّوم.. إنّه حقّا صراخ زوجتي ، التي لم تعرف بماذا إبتليت.!.أضأت الصّالون ،" ليس ثمّة شيء يا حبيبتي"...!. وقفت كالصّنم قليلا ، حتّى استعاد شخيرها حيويّته ، ثمّ هبطت بنظري إلىالارض : كان التّلفاز في عداد النّفايات أو تقريبا..!.هل ارتبكت ؟أوأنستني هذه الطّامّة الكبرى ـ كما سمّتها زوجتي ـ هدفي الاسمى : كأس قهوة سوداء سريعة ؟ تشعل فيّ وكالعادة الرّغبة في منازلة البياض والارتقاء الى عوالم النّشوة والمتعة اللانهائية : جنّة الكلمة..؟. هي القهوة إذن...؟ دلفت إلى المطبخ ، كان همّي الوحيد : إعداد الكأس الحلم..؟ هذه المرّة ، بدأت بالزّرّ الكهربائي ، فتحت صنبور الماء ،ولاقطرة مكّنتني من نفسها ، بحثت في الاكواب علّ وعسى ، لم أجد . فتّشت كلّ زوايا المطبخ ، لم يفتني البحث في المرحاض.! لم أجد بدّا منإستعمال{ .....}إذا اقتضت الضّرورة ذلك. مبرّري الوحيد إعداد الكأس : الحبيبة..لكني وجدت نفسي غبيّا فجأة...السّماء مازالت تمطر..فتحت نافذة المطبخ ، مددت الكوب...لحظات وامتلأ ...سكبت مقدار الكأس في الغلاّية ، وضعته على الموقد ، ثم تفاجأت بانقطاع التّيّار الكهربائي!! الرعد مازال يقصف المدينة بوابل من الزّعيق ، ويمزّق السّكون المفتعل ، بخنجره المزلزل..جلست تقرفصا في زاوية من زوايا المطبخ شبه منهار أومنهار تماما ، أفكّر في حيلة ما.. أردت أن أصرخ..لكن لماذا؟ فقط ، عليّ أن أبحث عن ولاّعة الموقد، أوعن عود ُثقاب...بحثت في كلّ الرّفوف بحذر شديد..حتّى أتّقي شيئا ما قد يحدث... لكنّه حدث !!! رزمة صحون زجاجية وأخرى خزفيّة هي كل ما تملك زوجتي وادّخرته لحفل العقيقة لمولود تقول زوجتي أنّه سيكون ّذكرا بإذن الله ، وأنا أدرك أنه فات الأوان على حلم مازال يعشعش في مخيّلة زوجتي ، وقد قلت لها مرارا : أنّك يا زوجتي العزيزة على مشارف الخمسين ! قالت دون أن تفارق الإبتسامة شفتيها الذّابلتين : لاييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون..:إنهارت الأطباق والصّحون وتلتها رزنامة من الكؤوس والأكواب ، لم أكن أعلم أنّ زوجتي تمتلك كلّ هذه الأواني الّتي أصبحت الاَن في خبركان..! فقط كان لديّ اعتقاد أن زوجتي كانت تزور جيوب سروالي الذي أعلّقه عادة قرب سريرالنّوم فور عودتي من العمل ، الّذي بعد عشرين عاما ماوفّرت منه غير إسمي الٍرّسمي : موظف.! . كان الظّلام حالكا ، إلى جانب قدميّ فتات ذخائر زوجتي ، .صوت السّقوط الحرّ القوي لهذه الأواني كان مرعبا..،وكنت متأكّدا بما لايدع مجالا للشّكّ أنّ زوجتي سمعت بكارثة المطبخ كذلك ،واستوعبتها، سكنت حينا ، ثمّ استيقظت ، ونفضت عن مخيّلتي هذاالوجع..! وهي عادتي دائما ، ليس احتسابا أوصبرا منّي ، كما هي عادة الكبار الصّابرين على النّوازل - وللأسف - تجاهلت ما وقع ، وانطلقت أبحث عن ولاّعة سجائري ، حيث لم يغب عن ذهني إعداد كأس قهوة سوداء ،حتّى لو كلّفني ذلك كلّ ما أملك وما لا أملك !ربّما صرخت في عمق دواخلي..؟ : هات..هات ماعندك..كلّ ماعندك ، هذه اللّيلة عرس لكلّ النّوازل والزّلازل والمصائبوالنّوائب..!! ..لمن وجّهت هذا السّؤال؟ من ألمخاطب ؟ لا أدري.... تذكّرت أنّ ولاّعة سجائري في جيب سترتي...وعليّ أن أقطع الصّالون إلى غرفة النّوم مرورا بسرير زوجتي الّذي أصبح حكرا عليها منذ أن إبتليت بمصيبة الكتابة اللّيليّة . فكّرت مليا..: :لماذا..؟...التّيّار ..لو .. كيف ؟ دلفت بحذر شديد كأنّني أتمشّى على البيض.!..لم يحدث شيء . أو هكذا ظننت....متأكّد أنّ زوجتي سمعت بكارثتي الصّالون والمطبخ ، وسوف تتّخد قرارا ما ..وربّمااتّخدته.... قطّتي الوحيدة ، كنت نسيتها ..، كانت تحب النّوم قربالسّرير... كان عليها على الأقل أن تضمّ ذنبها إلى جسدها كما هي عادة القطط . خطواتي محسوبة وأنا أدلف الغرفة : خطوات مستقيمة تنمّ عن أنّي أعرف إلى أين تنتهي أصابع قدماي...رغم الظّلام الحالك .... المواء الشّديد للقطّة الظالمة نفسها .من جرّاء وضع رجلي من خطوة غير مظبوطة على ذنبها، أفزعني وأربك حركات جسدي كلّه...قفزت من مكاني ...أخيرا لطف الله تدخل ...لولاه لكان أغلى شيء عندي في عداد النّفايات ..:طاولة من زجاج عليها مزهريّة من خزف نفيس ونادر قربها صورة تذكاريّة لي مع زوجتي ليلة العرس الّتي مضى عليها أكثر من عشرين سنة دون أن أتمكّن أوربّما لم تتمكّن هي من الإنجاب ..وعلى الطّاولة جهاز راديو ترنزستور، هديّة إليّ من مدير الشّركة الّتي أعمل فيها طيلة زهرة عمري ، كتكريم لي .: أوصاني بعد أن أهداه إليّ أمام أصدقائي الموظّفين ، هامسا في أذني : "بإمكاني أن أسألك عنه.."

هل صرخت زوجتي أوإنتفضت غضبا كردّ طبيعي على مواء القطّة الشّديد أو زلزلة طاولتها النّادرة ؟...لا..اكتفت باستدارة جسدها المترهّل يمنة ثمّ يسرة....كشفت عن وجهها وهي تشعل مصباحا يدويّا موجّها إلى ّ ...دون أن تفتح عينيها..:قالت في ألم مبحوح مشوب بالحسرة..: حســبــي اللّه ونـــعــم الوكيل ....!!! لم تضف شيئا ولم أنبس ببنت شفة . كانت لديّ رغبة ما في الإنتقام من القطّة الملعونة ، لكنّي تذكّرت أنّ غايتي كأس قهوة سوداء !...وقفت كالصّنم ، أستجدي ألفة هاربة منّي ، ولو كانت مصطنعة ،...القطّة تستعيد هرهرتها بالتّناوب مع شخير زوجتي..أخيرا نامت ....تقدّمت نحو مشجب الملابس ..فتّشت جيوب سترتي واحدا واحدا ، لم أعثر على الولاّعة...أخيرا إنفجرت .!.: أين أنت يا ملعونة..؟ " إنّها في جيب سروالك ....حسبي الله ونعم الوكيل.."...:قالت زوجتي بصوت ممزوج بالشّخير..العجوز لم تنم ! إذن شخيرها مصطنع..!.أعرف جيّدا أنّ العجوز تتلذذ بكل ما حلّ بي في هذه اللّيلة التّافهة !! وليكن... أخيرا عاد التّيّار الكهربائي، أخذت الولاّعة وقصدت المطبخ هرولة..كان بالامكان في أحسن الاحوال أن تكون قنّينة الغاز فارغة فجأة ، أوأن تكون بطّارية ولاّعتي فاسدة...أوأن تهبّ الرّيح من مكان ما شاءت فلا تسمح للموقد بالاشتعال ، أو ان أُسقِط الغلاّية فيندلق فجأة كوب الماء اليتيم ..وفي أسوء الاحوال أن تجتمع كلّ هذه الاحتمالات في رصاصة رحمة تأتي على ما تبقّى من صبري واصطباري....

أخيرا أعددت الكأس ، شممت نكهة القهوة في نشوة مفتعلة ، واندفعت إلى المكتب ..مكتبي ..وضعت الكوب جانبا ...أوقدت سيجارتي في لهفة مبالغ فيها كأنّني فطمت منها لسنين ..أخذت القلم ، وتأمّلت من أين أبدأ..وكيف؟..القصّة تقترب من نهايتها... السّاعة تشيرإلى الخامسة والنّصف صباحا ..عبّأت رئتاي من شهقة ضخمة ومكثّفة من سيجارتي الخامسة ....كتبت وشطّبت... ثمّ كتبت وتبّثت..وووو...

أزيز ذبابة يبدأ في الاشتعال فجأة . بينما طفّأت سيجارتي الثّامنة في المرمدة.. الذّبابة الآتية من نوم مجهض تحوم حولي ، غابت قليلا ثمّ رجعت ..لم أعرها أيّ اهتمام... لكنّها سرعان ما أصرّت أن يكون مدار إستطلاعها..هو منضدة مكتبي ..أخيرا هاهي تحوم حول كأسي اليتيمة...حاولت إبعادها ببرود ...ثمّ بعصبيّة ونرفزة نزعت قميصي ولوّحت به عليها... إزداد الأزيز كثافة واستفزازا ...بضربة قويّة من يدي التي تمسك بالقلم.. ظننت أنّني أصبت الهدف..طارت فجأة واندلق ما في الكأس من القهوة السّوداء...على أوراقي ....على مشروع قصّتي...تابعت سيل القهوة على البياض....لكنّي تداركته، بوضعي لنقطة النّهاية لقصّة لم تبدأبعد....!!!



بلقاسم إدير بني ملال 2001

اقد يعجبك أيضاً :

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...